أيوجد خالق غير الله ؟
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
قد يقرأها بعض الناس لأول وهلة فيتوقف عندها متعجبًا: كيف يقول الله أحسن الخالقين ؟ وهل يوجد خالقون غير الله حتى يكون سبحانه أحسنهم ؟ بل إن بعض المشككين يحاولون أن يتخذوا من هذه الآية مدخلًا للطعن، ظانين أن فيها ما يوهم وجود خالقين متعددين.
غير أن هذا الإشكال لا ينشأ من الآية نفسها، وإنما من عدم التمييز بين المعاني التي تحملها الألفاظ في لغة العرب، وهي اللغة التي نزل بها القرآن.
فالناس اعتادوا أن يفهموا كلمة الخلق بمعنى الإيجاد من العدم فقط، بينما الاستعمال العربي أوسع من ذلك. فالخلق يأتي بمعنى التقدير والتشكيل والتصوير والصنع. ولهذا كان العرب يصفون بعض أعمالهم بالخلق، أي أنهم يصوغون شيئًا من مواد موجودة أصلًا ويعطونه صورة جديدة.
أما الإيجاد من العدم المحض، فهو معنى أخص وأعظم، وقد عبر القرآن عنه في مواضع كثيرة بلفظ آخر هو الفطر. ولهذا قال الله تعالى:
﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
ولم يقل: صانع السماوات والأرض أو مشكلهما، لأن المقصود هنا هو الإيجاد الأول والإنشاء من العدم، وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله وحده.
ومن هنا تتجلى دقة التعبير القرآني. فحين قال سبحانه:
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
لم يكن يتحدث عن الخلق بمعنى الإيجاد المطلق من العدم، وإنما عن الخلق بمعناه اللغوي الأوسع الذي يشمل التقدير والتصوير والتشكيل. فالإنسان قد يصنع آلة، وقد ينحت تمثالًا، وقد يبني مدينة، وقد يبتكر اختراعًا جديدًا، لكنه لا يخلق المادة التي يعمل بها، ولا يخلق العقل الذي يفكر به، ولا القوانين التي تقوم عليها اختراعاته.
إنه يعيد تشكيل ما خلقه الله، أما الله سبحانه فهو الذي أوجد الأصل الذي بُني عليه كل شيء.
ولهذا لم يقل القرآن: فتبارك الله أحسن الفاطرين، لأن الفطر لا يكون إلا لله. أما الخلق بمعناه اللغوي العام فقد يطلق على غيره سبحانه، فجاءت الآية في غاية الدقة والبلاغة.
والأعجب من ذلك أن القرآن نفسه يفسر بعضه بعضًا. فبعد أن يقرر الله أنه أحسن الخالقين، يأتي في موضع آخر ليسأل سؤالًا يهدم كل شبهة من أساسها:
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
فليس المقصود مجرد من يشكل الأشياء أو يصنعها، بل من يرزق ويدبر ويحيي ويميت ويملك أمر الكون كله. وهنا لا يبقى في الوجود أحد يمكن أن ينازع الله في وصف الخالق على الحقيقة.
وهكذا تتحول الآية التي ظنها بعض الناس موضع إشكال إلى شاهد جديد على فصاحة القرآن وإعجازه. فلو استُبدلت كلمة واحدة مكان أخرى لاختل المعنى كله، ولكنها كلمات وضعت في مواضعها بميزان من الحكمة والدقة لا يبلغه كلام البشر.
ولهذا كان العلماء يقولون إن المتدبر للقرآن لا يزداد مع كثرة النظر فيه إلا يقينًا بأنه كلام الله؛ لأنك كلما تأملت لفظة ظننتها عادية، اكتشفت وراءها من المعاني ما يكشف لك جانبًا جديدًا من إعجازه.